
أحب السفر لأنني أتعلم منه كثيراً، هو كالمدرسة الممتعة التي أخرج منها فاهمة للدرس وحافظة له. تستهويني رؤية الأماكن الجديدة وزيارة الآثار التي كنت أتأمل صورها في الكتب وأحلم برؤيتها في الحقيقة. أتعلم عادات جديدة وأفهم ثقافات مختلفة وأقرأ قليلاً عن تاريخ الأماكن التي أذهب إليها. أحفظ رائحة الشوارع على أمل أن أرجع إليها في يوم من الأيام.
لكن أكثر ما يلفت إنتباهي في السفر هو إحساسي بآدميتي، فأكتشف أنه يمكنني إرتداء الفساتين بشكل عادي دون سماع "نباح" المارة وتحمل حملقتهم المقرفة. أستطيع أن أمارس الرياضة في الشارع، أن أضحك بصوت عالي بينما أتمشى مع صديقاتي في طرقات وسط المدينة، أركض لأنني متأخرة على ميعادي، أحرك يداي ورجلاي دون أن يراقبني أحد أويحاسبني، أرقص مع أصدقائي، نغني أغنية تذكرناها في طريقنا للمنزل مشياً..

أنا هي هي نفس الفتاه الخجولة التي تجوب شوارع بلدها الحبيبة ملتزمة بمشية العسكري بينما يتقاذف وحوشالشارع العبارات البذيئة عليها ويحاولون إقتناص الفرصة لينهشوا أي جزء من جسمها تطاله عيونهم أو حتى إيديهم القذرة.. أدرك جيداً أن تلك النظرات الثابتة الطويلة -أو بمعنى أصح الحملقة دون إستحياء- وراءها فيلم إباحي شاهده هذا الرجل ويحاول تخيلي في مشاهده.. أنا بنت عادية لا تشعر بالأمان.. أنا هي نفس الفتاة التي كانت تعود من العمل وتجلس وحدها في غرفتها تبكي من كثرة الضغط النفسي الذي يفرضه عليها تواجدها في الشارع بشكل يومي.. أنا نفس الفتاه التي تتمنى إرتداء الملابس الأكثر أناقة وأنوثة ولكنها لا تستطيع لأن الشارع ليس لها.. الشارع ملك لأحقر الكائنات، هم من يضعون قواعد السير فيه من أول الملبس إلى تحمل التعليقات والنظرات والنهش دون النطق بكلمة!
أحياناً أشعر أني أحب بلدي حباً بائساً، حباً من طرف واحد! أحمل لأبناء وطني محبة صادقة وأحلام بالعيش في نظام سياسي وإجتماعي وإقتصادي أفضل من واقعنا الحالي المرير. ولكن يبدو أن الألعن من الإحساس بالظلم الجماعي، هو الإحساس بأن الدفاع عن بعض هؤلاء لا جدوى منه، فهم لا يستحقون أن أهتم لأمرهم. أتمنى العمل على إيجاد فرص عمل للعاطلين، ولكن إذا كان هؤلاء العاطلون سيقضون وقتهم في التحرش بي، فلما أكترث؟!

أحب آدميتي وأحب كوني بنتاً. أحب مجال تخصصي، وأحب ما أدرسه. أحب الحياة وأحب البحر والذهاب إلى الشاطئ. أحب شوارع وسط البلد في القاهرة والتجول في محطة الرمل وبحري بالأسكندرية.
أنا عنيدة! لن أكره ذاتي! لن أكره جسمي! لن أكره شكلي ولا قصري ولا لون بشرتي! لن أكره التنزه بالشوارع القديمة ولا القفز فرحاً! وسأنتزع حقي في التمتع بالحياة! لقد أعطاني الله الكثير من النعم فلن أسمح لأي إنسان أن يسلبني إياها!
أما الكلاب، فلهم النباح!
No comments:
Post a Comment